ماذا لو أجرينا مسابقة وطنية لاختيار أكبر كذاب في المغرب؟
ستكون حتمًا أبرزَ مُسابقة في تاريخ هذا البلد.. وتكونُ سابقةً في العالم..
وسيدخل المغربُ كتابَ «غينس» للأرقام القياسية العالمية، من بوّابة الكذب..
والكذبُ عندها لن يُنظَر إليه بعين سلبية، لأن تنظيم مسابقةٍ هو اعترافٌ بانتشار الكذب عندنا على نطاق واسع، وبأن ثقافة الكذب لم تَعُدْ في بلدنا تَستثني فئةً من الفئات..
ويُمكنُ للجميع، من الصغير فينا إلى الكبير، مروراً بالمؤسسات والإدارات والأحزاب والجمعيات، المشاركة في مسابقة «أكبر كذّاب في المغرب»..
ستكونُ هذه ظاهرةً صحية، لأنَّ «الاعتراف بالكذب فضيلة»..
وبهذا الاعتراف سيفتح المغرب أُفُقاً لسُلُوك جديد لا نراهُ إلاَّ في الدول التي تمارس الديمقراطية ممارسةً حقيقية، وتلتزمُ بالقانون التزاما حقيقيا، وتحترمُ المسؤولية الملقاة على عاتق كل فرد فيها احترامًا تامّا..
في هذه الدول التي لا تعتبر السّلطةَ غنيمة، بل مسؤوليةً يُراقبُها القانون، نجد وُزراءَ يعترفون بأنهم كذبوا على شعوبهم، وفيهم من يُساقُ إلى المحكمة، ومنهم من يحكم على نفسه بالانتحار..
هؤلاء المعترفون بالكذب، المتحمّلون لنتائج هذا الكذب، يتحولّون باعترافاتهم إلى وجوهٍ تاريخية تحترمُها شعوبُها، لأن «الاعتراف فضيلة»…
ليست عندنا ثقافةُ الاعتراف.. سياسيُّونا يكذبون علينا وعلى أنفسهم، وارثين من أسْلافهم «سياسة الكذب»..
مجتمعٌ لا يتحركُ لمناهضة الظلم، هو مُجتمعٌ يصنعُ بنفسه هذا الظلم..
وفي حديثٍ آخر: «هو يستحقُّ هذا الظلم»!
هكذا ترى بعضُ المدارس الفكرية واقع الدول التي تمارس على شعوبها القهر والظلم والرشوة والتجهيل والتفقير، كما هو الحالُ عندنا في المغرب..
ـ ماذا أصاب مُجتمعَنا؟
لماذا لا يُساند الشبابَ الجامعي المعطّل؟ لماذا لا يحارب الرشوة؟ لماذا لا يحترمُ القانون؟ لماذا لا يغرس الخيرَ من أجل أبناء الغد؟
ألم يقُل الحكماء: « غرسُوا فأكَلْنا، ونغرسُ فيأكلون»؟
لماذا اقتصر مُجتمعُنا على أكْل ما غَرَسَهُ السابقون؟ أليس من واجبه أن يغرس ما سيأْكُلُه اللاّحقُون؟
تَلَقَّى مجتمعُنا من السابقين بلدا فيه كلُّ خير، وها هو يتركُ للأجيال القادمة، أي أبنائه وأحفاده، مغربًا أغلبُ شبابه يحلُمون بالهجرة إلى الخارج..
ها نحن نترك لأبنائنا وبناتنا أرضًا خرابًا، وعقلية هدَّامة، وتطرُّفاً على كل المستويات، وطابورًا من كبار الكَذّابين في الحكومة والبرلمان والأحزاب وغيرها من المؤسسات التي من المفروض أن تؤطّر الشعب تأطيرًا بنّاءًا، لا أن تُوجّهه إلى اللاقانون، حيثُ
المرتشي هو القُدوة..
واللصُّ هو القدوة..
وتاجرُ الأعراض هو القُدوة..
ومهربُ خيرات البلد هو القدوة..
وتاجرُ المخدرات،
وقواربِ الموت،
وبائعُ المستقبل الوطني،
…. هو القُدوة!
هذه القدوةُ اللامسؤولة، نحن صنعْناها. ونحنُ نستحقُّها..
ـ لقد باعوا البلد..
باعوا مستقبل البلد..
فمن يُحاسبهم؟
منذ بداية «الاستقلال»، ومسؤولُونا يُعلّمُوننا كيف ننْدمُ على «عهد الاستعمار»..
يُعلّموننا أن «الاستعمار أحسنُ من الاستقلال»..
وفعلا، صارتْ هذه المقولةُ تتردّدُ في أحيائنا وشوارعنا، وفي بوادينا، حيثُ أن «الاستقلال» جاءنا بسلبياتٍ ما عهدناها في عقُود الاستعمار..
وضَعُونا أمام خياريْن لا ثالث لهما: قبول الاستعمار أو العيش في استقلال هو أبشعُ من الاستعمار، وكأن المغاربة لا يستحقُّون استقلالا حقيقيا، ومسؤولين نُزهاء، وديمقراطيةً فعلية، وسلطةً غيرَ مُرتشية..
علّمُونا أن القانون مصنوعٌ فقط لمعاقبة الفُقراء، لا أيضا من أجل مُحاسبة كبار المسؤولين!
وعلّمونا أنّ الأغنياء قد جاءهم الغنى من الله..
وأوهمُونا بذلك أن العمارات، وكُبريات الشّركات، وأساطيلِ الصيد في أعالي البحار، كلُّها هبةٌ من الله، وليست نهبا للمال العام، والحقِّ العام!
هكذا ضلّلُونا…
وما زالوا يُضَلّلُونَنا.. ويجدُون للأسف فينا تُربةً خصبة لممارسة مزيدٍ من التضليل..
فتأمّلوا كبار مسؤولينا وهم يتكلمون في التلفزة، إنهم يُحاولون إقناعنا بوجود واقع آخر ، غير الواقع الذي نحنُ فيه.
يرسمُون لنا عوالمَ ورديةً في الصّحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، بينما الواقعُ شيءٌ آخر..
إنهم يتنافسون على تضليلنا..
وليس الوزراءُ وحدَهُم يمارسون التضليل، ولا قادةُ ما يُسمَّى بالأحزاب، وما هي أصلاً بأحزاب، هناك أيضا مُؤسساتٌ تُساهم في هذا التضليل، وتبحثُ عن فتاوى، لتبرير أيةِ سياسةٍ رسميةٍ غيرِ عاقلة، وغيرِ سليمة ، وغيرِ وطنية..
ما أكثر فُقهاء التضليل في المغرب!
تجدُهم في الكُليات، والمساجد، والمدارس، والنوادي، وغيرِها…
هؤلاء يجتهدُون في خدمة الألوان، فتراهم يردُّون الأبيض أسْوَد، والأسودَ أبيض، ويُدخلون إلى الجنّة الظالم، وإلى النارِ المظلوم..
هذا دورُهم…
مُتمسّحون يُعلّمون الناسَ «وابلاً» من الممنوعات:
الممنوعُ الأول: أن تُحبَّ وطنَك..
فالمطلوبُ منك أن تتظاهر بالحُب، لا أن تحبّ..
هم لا يقولون لك هذا بالوضوح، يقولونه بالمرموز..
ما هو هذا المرموز؟
هو ألاَّ تَخْدُم المصلحةَ العامة، بل فقط مصلحتَك الشخصية، أي أن تخدُم نفسَك فقط..
ومن هذا المنظور، فمن يخدمُ نَفسَهُ فقط، لا يمكن أن تكون له روحٌ وطنية، لأن حُبَّ الوطن لا يكون إلا بحُبّ المصلحة العامة، لا بحُبّ المصلحة الخاصّة فقط!
فمن المفروض أن يتحلى من يُحبُّ وطنَه بخدمة الوطن من خلال خدمة المصلحة العامة، باعتباره جُزءا من هذه المصلحة العامة..
هكذا من المفروض أن تَسِيرَ الأمورُ إذا كان هناك حبٌّ حقيقي للوطن..
أمَا والحالُ عكْسَ ذلك في كثير من الأوساط عندنا، خاصةً ذاتِ المسؤولياتِ الهامة، فإن السلطة تكون مجردَ غنيمةٍ تدور حول الفرد ، والفردِ وحده، بعيدا عن المصلحة العامة!
وإذن لا حُبَّ للوطن، بدون خدمة المواطنين، لأن الوطن ليس هو الأرض فقط، هو قبْلَ الأرضِ الإنسان..
الإنسانُ أوّلاً..
الإنسانُ هو الوطن..
الممنوع الثاني: أنْ تكُون جادّا في عملك…
فالجادُّ يُحارَب..
والتشجيعُ والتقديرُ لا يذهبان ـ على العموم ـ إلى نُزهاء الموظّفين، وخَدُومي المصلحة العامة في مختلف فئات الشعب..
فتأمّلوا المناصب!
المناصب لا يحتلُّها كلّها جادّون نُزهاء.. على العكس، فيها الكثير من الخَنُوعين الذين لم يصلوا إلى تلك المناصب إلا بالطرُق المغشوشة الملتوية..
وفي هذه المواقع، يتحوّل الغشّاشون إلى فيروسات تُحاربُ كلَّ ذي قلب نظيف ، وكلَّ ذي ضمير حيّ..
الممنوع الثالث: أن تكون نجمًا…
النجمُ عندنا يُحارَب.. فالعصامي الذي صنع نجوميتَه بعرَق الجبين، يجدُ نفسه في ميدانٍ مشحونٍ بالمتسلّطين على المهَنِ الفنيةِ والعِلمية..